عبد الله بن أحمد النسفي

182

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 231 ] وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 231 ) عند الشافعي رحمه اللّه في قول ، فكأنّ هذه تطليقة رابعة ، قلت : الخلع طلاق ببدل فيكون طلقة ثالثة وهذه بيان لتلك ، أي فإن طلقها الثالثة ببدل فحكم التحليل كذا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ من بعد التطليقة الثالثة حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ حتى تتزوج غيره ، والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوّج وفيه دليل على أنّ النكاح ينعقد بعبارتها والإصابة « 1 » شرطت بحديث العسيلة كما عرف في أصول الفقه ، والفقه فيه أنّه لما أقدم على فراق لم يبق للندم مخلصا لم تحل له إلّا بدخول فحل عليها ليمتنع عن ارتكابه فَإِنْ طَلَّقَها الزوج الثاني بعد الوطء فَلا جُناحَ عَلَيْهِما على الزوج الأول وعليها أَنْ يَتَراجَعا أن يرجع كلّ واحد منهما إلى صاحبه بالزواج إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ إن كان في ظنهما أنّهما يقيمان حقوق الزوجية ولم يقل إن علما أنّهما يقيمان ، لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلّا اللّه وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها وبالنون المفضّل لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ يفهمون ما بين لهم . 231 - وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي آخر عدتهنّ وشارفن منتهاها ، والأجل يقع على المدة كلّها وعلى آخرها ، يقال لعمر الإنسان أجل وللموت الذي ينتهي به أجل فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي فإمّا أن يراجعها من غير طلب ضرار بالمراجعة ، وإمّا أن يخلّيها حتى تنقضي عدتها وتبين من غير ضرار وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً مفعول له أو حال أي مضارين ، وكان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها ثم يراجعها لا عن حاجة ولكن ليطوّل العدة عليها فهو الإمساك ضرارا لِتَعْتَدُوا لتظلموهنّ أو لتلجئوهنّ إلى الافتداء وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني الإمساك للضرار فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بتعرضها لعقاب اللّه وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً أي جدّوا في الأخذ « 2 » بها ، والعمل بما فيها ، وارعوها حقّ رعايتها وإلّا فقد اتخذتموها هزوا ، يقال لمن لم يجد في الأمر إنّما أنت لاعب وهازئ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإسلام وبنبوة محمد عليه السّلام وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ من القرآن والسّنّة ، وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقّها يَعِظُكُمْ بِهِ بما أنزل

--> ( 1 ) في ( ز ) والإصاءة . ( 2 ) بالأخذ .